سياسة

بين قمع الحوثي وإخفاق الشرعية: المرأة اليمنية تُعاقَب مرتين

على امتداد سنوات الحرب والانقسام في اليمن، لم تكن المرأة مجرّد متضررٍ جانبي من الصراع، بل أصبحت في كثير من الأحيان هدفاً مباشراً لسياسات القمع والإقصاء. المؤلم أن صورة المعاناة لا تقتصر على مناطق سيطرة الحوثيين حيث تُضيَّق الحريات وتُصادَر الحقوق باسم “الضبط الاجتماعي”، بل تمتد كذلك إلى مناطق الحكومة المعترف بها دولياً التي كان يُفترض أن تقدّم نموذجاً بديلاً: نموذج دولةٍ حديثة تشارك فيها المرأة بفاعلية في القرار العام. وبين الطرفين، تجد اليمنية نفسها تُعاقَب مرتين: مرةً حين تُقمع، ومرةً حين تُهمَّش.

لكن هذه المفارقة تصبح أكثر إيلاماً حين نتذكر حقيقة راسخة في الوعي اليمني والعربي: اليمن لم يكن تاريخياً أرضاً غريبة عن قيادة المرأة. لقد حكمت اليمن امرأة، وخلّد التاريخ اليمني أسماء نساءٍ عظيمات كان لهن دورٌ سياسي وحضاري وإنساني سُجّل في الذاكرة الدينية والأثرية والتاريخية. وفي مقدمة تلك الرموز تأتي ملكة سبأ (بلقيس)، التي ارتبط اسمها بسردياتٍ دينية معروفة وبإرثٍ حضاري تشير إليه الآثار والروايات التاريخية. إن استحضار هذا التاريخ ليس ترفاً ثقافياً، بل تذكيرٌ بأن إقصاء النساء اليوم ليس “قدراً يمنياً”، ولا جزءاً أصيلاً من هوية اليمن، بل انحرافٌ عن جذورٍ تؤكد أن المرأة كانت قادرة على القيادة وبناء الدولة.

أولاً: جرائم الحوثي ضد النساء… قمعٌ مُمنهج لا حوادث متفرقة

في مناطق سيطرة الحوثيين، لم يعد الحديث عن انتهاكات بحق النساء مجرد شكاوى فردية أو تجاوزات معزولة، بل أصبح نمطاً متكرراً يراه الناس في تفاصيل حياتهم اليومية. هناك تضييق واضح على حركة النساء، وعلى قدرتهن على العمل والتنقل، وعلى مساحة حضورهن في المجال العام. هذا القمع لا يظهر فقط في القرارات والإجراءات، بل في مناخ الخوف الذي يتشكل حول المرأة: ماذا تلبس؟ أين تذهب؟ مع من تتحدث؟ هل تعمل؟ هل تسافر؟ هل تشارك في نشاط مدني أو إنساني؟

وتتخذ هذه الانتهاكات أشكالاً متعددة:

  • تقييد الحركة والسفر والتنقل عبر اشتراطات وموافقات وإجراءات تُعامل المرأة كقاصر مهما كان عمرها أو وضعها الاجتماعي.
  • التضييق على فرص العمل وفرض قيود تعرقل حصول النساء على وظائفهن أو استمرارهن في المهن التي تعتمد عليها أسر كاملة.
  • ترهيب المجتمع عبر مراقبة الحياة العامة والتدخل في خصوصيات الأسر، بما يخلق صورة المرأة كـ “مشتبه بها” تحتاج إلى إذن ومراقبة.
  • الاستدعاءات والاستجوابات والاحتجاز في بعض الحالات، وما يصاحب ذلك من إهانات معنوية وضغوط نفسية، وهي أدوات تهدف إلى كسر الإرادة قبل كسر القانون.

الأخطر هنا ليس فقط حجم الضرر، بل الرسالة السياسية والاجتماعية: أن المرأة ينبغي أن تعود إلى الهامش، وأن حضورها في التعليم والعمل والمجال المدني “استثناء” لا “حق”. وهكذا تتحول المرأة إلى ساحة صراع إضافية: صراع على الجسد، وعلى الحركة، وعلى الصوت، وعلى القدرة على اختيار حياة كريمة.

ثانياً: تهميش المرأة داخل الشرعية… دولة بلا نساء في القرار

في المقابل، كان من المتوقع أن تُظهر الحكومة المعترف بها دولياً اختلافاً واضحاً في نموذج الحكم، وأن تنقل اليمن نحو دولة مواطنة ومؤسسات تتسع للجميع. لكن الواقع السياسي خلال السنوات الأخيرة يقدّم صورة صادمة: تمثيل النساء في مواقع القرار ظل ضعيفاً للغاية، وفي كثير من المحطات كان شبه معدوم.

والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف يمكن لحكومة تتحدث باسم الدولة والجمهورية والقانون أن تبقى عملياً حكومة رجال فقط؟ وكيف يُعقل أن تمر سنوات طويلة دون أن نرى امرأة تتولى حقيبة وزارية مؤثرة؟ نحن نتحدث عن نحو عشر سنوات لم يظهر فيها حضور نسائي واضح داخل مجلس الوزراء، بينما تتكرر الوعود في البيانات والخطابات عن “تمكين المرأة” دون ترجمة حقيقية إلى قرارات.

غياب المرأة عن الحقائب الوزارية ليس مجرد تفصيل شكلي. إنه مؤشر على عقلية سياسية ما تزال تنظر إلى النساء بوصفهن “زينة” في المناسبات أو “مادة خطابية” أمام المجتمع الدولي، لا بوصفهن شريكات في صياغة السياسات. كما أن هذا الإقصاء يعمّق أزمة الثقة بين المجتمع والدولة: إذا كانت الدولة لا تعترف بكفاءة المرأة ولا تمنحها مكانها الطبيعي، فكيف نتوقع من المجتمع أن يتغير؟

والأشد تناقضاً أن هذا الإقصاء يحدث في بلدٍ يحمل في تاريخه نموذجاً لقيادة المرأة، وفي ذاكرته شواهد على عظمة نساء كان لهن شأن في الحكم وبناء المجتمع. اليمن الذي يفاخر بحضارة سبأ، وبقصة ملكتها التي أصبحت رمزاً للحكمة والقرار، لا يليق به أن يعجز اليوم عن تعيين امرأةٍ في وزارة أو تمثيلها في مواقع السيادة.

لماذا هذا التهميش خطير على اليمن كله؟

المرأة اليمنية ليست فئة هامشية. هي عمود أساسي في التعليم، والرعاية، والعمل المجتمعي، والاستجابة الإنسانية، وحماية الأسرة في ظروف النزوح والفقر. وعندما تُقصى المرأة من القرار، تُقصى معها أولويات الناس الحقيقية:

  • حماية النساء والفتيات من العنف
  • التعليم ومكافحة التسرب المدرسي
  • الصحة والرعاية الأسرية
  • سبل العيش في بيئة منهكة اقتصادياً
  • النزوح والاحتياجات الإنسانية

ثم إن غياب النساء عن الحكومة يُضعف قدرة اليمن على بناء سلام مستدام. لأن السلام ليس توقيع اتفاق بين قادة، بل إعادة بناء مجتمع، والمرأة هي الأكثر ارتباطاً بتفاصيل المجتمع اليومية، والأقدر – حين تُمنح المساحة – على دعم المصالحة والحد من التطرف وإعادة ترميم النسيج الاجتماعي.

ما المطلوب؟ انتقال من الإدانة إلى العمل

إذا كان المجتمع يريد فعلاً إنقاذ ما تبقى من اليمن، فلا يكفي أن ندين انتهاكات الحوثي ضد النساء، ولا يكفي أن نلوم الشرعية على فشلها. المطلوب مساران متوازيان:

  1. في مناطق الحوثيين:
    إيقاف سياسات تقييد الحركة والعمل، ووقف الممارسات التي تُذل النساء وتنتقص من إنسانيتهن، وضمان ألا تُستخدم أجهزة الأمن والسلطة كوسيلة لترهيب النساء أو التحكم بحياتهن.
  2. في مناطق الشرعية:
    قرار سياسي شجاع وواضح بإشراك النساء في الحكومة والوزارات والمناصب السيادية، ووضع معايير شفافة للتعيينات بعيداً عن المحاصصة الضيقة، واعتماد تمثيل نسائي حقيقي في اللجان والمجالس لا تمثيل رمزي. الشرعية تحتاج أن تكون قدوة، لا نسخة مخففة من الإقصاء.

اليمن لن يتقدم وهو يعامل المرأة كتهديد في مناطق الحوثي، وكحضور زائد عن الحاجة في مناطق الشرعية. هذا بلدٌ لا يمكن أن ينهض بيد واحدة. وتاريخ اليمن نفسه يشهد أن المرأة ليست طارئة على القيادة ولا غريبة عن الحكم. من بلقيس ملكة سبأ إلى نساءٍ عظيمات حفرت أسماؤهن في الذاكرة الدينية والأثرية والتاريخية، كانت المرأة جزءاً من الهوية الحضارية لليمن. لذلك فإن استعادة دور المرأة اليوم ليست مطلباً “حديثاً” فقط، بل عودةٌ إلى روح اليمن الحقيقية: روح الحكمة، والشراكة، وبناء الدولة على أساس الكفاءة لا النوع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى